بعد انتشار أخبار عن استطلاعات لمعرفة آراء الموظفين فيه .. هل يجوز شرعا تغيير إجازة الجمعة ؟
تاريخ النشر: الثلاثاء 9 مايو 2006, تمام الساعة 12:18 مساءً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
القرضاوي: يجب أن يتفرغ المسلمون للعبادة يوم الجمعة
البديوي: إلغاء اجازة الجمعة إغراق في تقليد الغرب
ضياء السعيد :
عادت مرة أخرى وبقوة، شائعة تغيير إجازة الجمعة والسبت الى السبت والأحد، حتى صارت حديث المجالس والموظفين والطلاب في قطر، المواطنون والمقيمون على السواء، والحقيقة ان المجتمع القطرى لم يشهد جدلاً مثل ماشهده حول هذا الموضوع، فلا يكاد حديث يخلو من السؤال عن هذا الموضوع أو الاشارة اليه، ويرجع ذلك الى عدم وضوح المعلومة والى الغموض الذى احاط بها، حيث لم يؤكد أى مسؤول هذه الشائعة ولم ينفها، كما يرجع الى عمق شعور التدين السائد في المجتمع القطري المحافظ، الذى يرفض مجرد التفكير في الفكرة، من منطلق ان يوم الجمعة هو يوم العبادة، وهو عيد المسلمين الاسبوعى، حتى وصل الأمر الى اعتقاد البعض بان تحويل يوم الجمعة الى يوم عمل يعتبر انتهاكا للشعائر الاسلامية.
إلا ان الداعين للفكرة يستندون الى المصالح الاقتصادية والتجارية للمسلمين، التى تتم مع العالم الخارجى، والتى لا تتوقف يوم الجمعة، مما يؤدى الى خسارة اقتصادية كبيرة، كما أنهم يستندون الى آراء بعض الفقهاء، الذين يرون ان العمل هو الأصل في يوم الجمعة، وان تحويل الجمعة إلى عطلة أمر مخالف لهدى الإسلام وروحه العامة، فيوم الجمعة يوم للعبادة والجد، وليس للراحة واللهو والعبث، مثلما يتخذه أغلب المسلمين، كما أفتى بذلك المجلس الإسلامي الأعلى في موريتانيا، وهو أعلى هيئة دينية هناك، ومن هنا جاء قرار الحكومة الموريتانية بتغيير إجازة الجمعة الى الأحد، لتنضم للدولتين العربيتين الإسلاميتين اللتين تعملان يوم الجمعة، وهما تونس والمغرب.
من هنا استطلعت الشرق رأى بعض العلماء لمعرفة الرأي الشرعي في هذا الموضوع، فكانت هذه السطور..
فى البداية، تكلم شيخنا العلامة الشيخ القرضاوي عن تغيير اجازة الجمعة، فقال: اننا يجب ألا نلتف الى أخبار هى مجرد إشاعات، فكل الكلام الذى سمعناه عن هذا الموضوع لا يتعدى كونه كلاماً، ولكنى أقول ان يوم الجمعة هو يوم عيد للمسلمين، وفضائل يوم الجمعة كثيرة ومعروفة للجميع، فينبغى علينا نحن المسلمين، ان نتفرغ للعبادات والطاعات ونجتهد في هذا اليوم المبارك، الذى خص الله به أمتنا دون سائر الأمم، وهذا بالطبع يتعارض مع تحويله ليوم عمل مثل باقى أيام الأسبوع.
وقطر والحمد لله من الدول التى لها فضائل كثيرة في الالتزام بالشريعة الاسلامية، والتمسك بها، ولذلك ينبغى علينا عدم الخوض في هذا الموضوع دون أن نتأكد من حدوثه.
غير مقبول
أما الشيخ سعيد البديوى خبير الشؤون الاسلامية بوزارة الأوقاف فيقول، في الحقيقة انا اعتبر تغيير الاجازة من يوم الجمعة الى يوم السبت أو الاحد في بلاد المسلمين أمر غير مقبول، واغراق في تقليد الغرب، حيث ان الله شرع لنا يوم الجمعة ليلتقي فيه الناس ليصلوا في جماعة، وهذا الأمر يحتاج الى تجهز واعداد، فقد شرعت الجمعة لاجتماع الناس وسماع الموعظة في الخطبة، فإذا كانت الجمعة يوم عمل فسيكون عائقا لتجهيز الناس لصلاة الجمعة بالشكل الأمثل.
كما أن مخالفة المسلمين لليهود والنصارى أمر مطلوب، فقد خالفهم رسولنا الكريم في صوم عاشوراء، وعدم صوم يوم الجمعة، وأشياء أخرى كثيرة، كما حضنا الرسول على مخالفتهم، وكما هو معلوم فان السبت والاحد هما اجازتى اليهود والنصارى.
وحتى لو تم تطبيق هذه الاقتراح، وتم توفير وقت للصلاة فان الوقت سيكون ضيقا، لان الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، وهذا يدل على ضرورة التبكير في الذهاب الى صلاة الجمعة منذ ساعات الصباح، وبالتالى كيف يكون يوم كهذا يوم عمل.
وبالنسب الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فهذا آخر وقت يمكن للمسلمين الذهاب فيه للصلاة في المسجد، فلماذا نجعل يوم أكبر شريعة عندنا يوم عمل، فيوم الجمعة هو العيد الأسبوعى للمسلمين، حتى انه يمنع فيه الصيام، فما الداعى لذلك، وما هى المصلحة الكبرى التى تجعلنا نفرط فيه، يقولون لنا التعاملات الاقتصادية مرتبطة بالغرب، فنرد ونقول اننا ومنذ زمن طويل نمشى على هذا الحال، فما الذى حدث الآن ويتطلب التغيير؟، ثم ان التعاملات الاقتصادية هذه مرتبطة بالبنوك، وليست بالمجتمع ككل، هذا اتباع واضح للغرب، واجازة يوم الجمعة للمسلمين معمول بها منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم.
الهوية الاسلامية
فى رأيي انه يجب قبل اتخاذ مثل هذا القرار، أن تجتمع لجنة من كبار علماء الدين لتقول الرأى الشرعى في المسألة، لان قول تغيير الاجازة من يوم الجمعة ليوم الاحد يجب رفضه من منطلق سد الذرائع، حيث ان العمل يوم الجمعة قد يؤخر المسلمين عن اداء الصلاة.
ويلتقط اطراف الحديث الشيخ ياسر عبد التواب الداعية الإسلامي بوزارة الأوقاف، فيقول: درج المسلمون منذ بدء الاسلام على تعظيم وإجلال يوم الجمعة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة، بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا. هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعد غد" رواه مسلم، وأخرج أيضا عن حذيفة قال، قال رسول الله: "هدينا إلى الجمعة وأضل الله عنها من كان قبلنا" وقوله: "ثم هذا اليوم أي الذي اختلفوا فيه هدانا الله له" قال القاضي: الظاهر أنه فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين، ووكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف اجتهادهم في تعيينه ولم يهدهم الله له وفرضه على هذه الأمة، مبينا ولم يكله إلى اجتهادهم ففازوا بتفضيله، فتعظيم يوم الجمعة والتعبد فيه من خصائص هذه الأمة.
ويستطرد الشيخ ياسر، بينما يهون البعض من أمر الإجازة يوم الجمعة، فإننا نجد اليهود يحرصون على فرض عيدهم في كافة المحافل التي يتواجدون فيها وكذا النصارى يسمح لهم في بلاد المسلمين بإجازات أعيادهم، وهكذا فقد كان سلفنا يحتفون بهذا اليوم احتفاء عظيما، لاسيما أن فيه ساعة إجابة لا يوافقها أحد يدعو إلا استجيب له، فكيف يوافقها مشغول بهم العمل مكدود فيه، بل إن الجمعة هو يوم المزيد في الجنة حيث يلتقي أهل الإيمان في سوق الجنة ويتجلى لهم ربهم، فمن أجل تلك الفضائل وجب على المسلمين تعظيم هذا اليوم ومن ذلك التعظيم أن يتم تقديمه وأن يخصص بالتكريم، ومن ذلك أخذ الإجازات فيه ليشعر الناس بالفرق بينه وبين غيره، وليحيا أمره ويظهر حاله، فإجلال اليوم يقتضي تمييزه عن غيره من الأيام ومن ذلك الإجازات وغيرها، وفي نفس الوقت يترك المسلم تعظيم غيره من الأيام، لأن العبادات والعقائد مبنية على فعل وترك، وإلا لضاعت هوية الأمة فهذا يتشبه بغيرنا في اللباس وهذه في المظهر وذاك في الأعياد وآخر في الإجازات وبعضنا في السلوك والمعاملات والعادات وكل تشبه في الظاهر يورث التشبه في الباطن ويفضي إلى ضياع الفروق، فأين سنجد المجال لأمة يفترض فيها أن تأخذ مكانها بين الأمم مرشدة وهادية، إن كانت لا يميزها عن غيرها شيء، فإن قيل هي تتميز بعقائدها وسلوكها فنقول نعم ولكن الشرع وكلمته فينا العليا.
وفي رأيي، إن اضطرت الظروف بعض العاملين في البنوك أو غيرها إلى الدوام يوم الجمعة، فليكن ذلك في أضيق الحدود، وليس شأنا عاما، وهو موجود بالفعل في بعض المؤسسات التى لا تستطيع التوقف عن العمل يوم الجمعة.
" منقول من الشرق "